• ٢٠ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

اللعب كقيمة تربوية

اللعب كقيمة تربوية

اللعب نشاط سلوكي، وهو فضلاً عن فوائده الفسيولوجية والنفسية فهو يُسهم في تكوين الشخصية؛ واللعب يختلف في مراحل الطفولة من مرحلة إلى أخرى، وقد شهد تاريخ التربية تطور اللعب. واللعب إعداد للحياة المحتملة، وتشير إحدى الباحثات في التربية إلى "أنّ اللعب ظلَّ زمناً طويلاً تعبيراً لسلة مهملات من أنماط السلوك الذي يبدو إرادياً دون أن تكون له فائدة حيوية واجتماعية".

... "أفلاطون" هو أوّل من أدرك القيمة العملية للعب، حيث كان يوزع التفاح على الأطفال ليعلمهم الحساب، كذلك رأي "أرسطو" ضرورة تشجيع الأطفال على اللعب بالأشياء التي سيستعملونها جدياً. ويقول (هربرت إسبنسر): إنّ اللعب هو أصل الفن، وأنّ الأطفال يلعبون لتصريف البخار، وهو ما أطلق عليه فيما بعد نظرية: تصريف الطاقة الزائدة في اللعب. ونظر (شيلر) إلى الموضوع على أنّه التعبير عن الطاقة الخصبة. عند الحيوانات يعتبر اللعب بمثابة العمل للمحافظة على حياتها؛ ولقد تعرضت نظرية إسبنسر للنقد فيما بعد، وحجة المعترضين أنّ الطفل يقبل في الغالب على اللعب، أو على طلب الألعاب، وهو منهك، تعب، وفي حالة يكون أحوج فيها إلى الاستراحة والنوم منها إلى الحركة وتصريف النشاط الذي صُرِّف في الأساس في ألعاب سابقة.

ولقد لاحظ (تشارلس دارون) في كتابه (التعبير عن الانفعالات) "أنّ الفرح الشديد والآثار المبهجة تجعل الناس يرقصون ويصفقون بأيديهم ويدقون الأرض بأقدامهم ويضحكون"؛ ومن هنا قال الكثيرون من العلماء بنظرية الطاقة الزائدة.

أما (جان بياجيه) فيرى أنّه "إذا ما تعلم الطفل عمل شيء فإنّه يعيده مراراً وتكراراً، وهذا هو اللعب".

والطفل يكرر أيّة نتيجة سارة، يصادفها اتفاقاً، فيصبح للعب معنى آخر، فهو تكرار إيجابي فيه تغيير حيث يبدأ الطفل بالمقارنة بين أفعاله وبين ما يقدم إليه، وتلك هي بداية الاكتشاف.

واللعب الرمزي الإيهامي يساعد على نمو التفكير التشخيصي، ويؤدي هذا اللعب إلى تمثيل تجارب الطفل الانفعالية وتقويتها، وهو مستمد من السمة الخاصة للعمليات العقلية عند الطفل. ويصبح هذا النوع من اللعب في المرحلة التشخيصية أكثر وضوحاً وتنظيماً؛ بعد ذلك تحل الألعاب ذات القواعد محل ألعاب الإيهام الرمزية.

هناك نوع من اللعب يطلق عليه (لعب المران) ويمر الطفل خلالها في ثلاث مراحل هي:

أ‌)       لعب الاستطلاع، وهو عبارة عن رد فعل على المثيرات الجديدة.

ب‌) المعالجة اليدوية، وتنطوي على التغيير.

ت‌) التكرار مع التغيير.

ويتغير اللعب مع تقدم السن وذلك في ثلاثة اتجاهات:

1-    لناحية الزيادة مع تقدم السن.

2-    نقل المواقف والمهارات الجديدة.

3-    يقل وقت اللعب، بعد استقرار النشاط السلوكي.

والأطفال في الشهر العشرين يكتشفون بأنفسهم أنواعاً كثيرة من اللعب يجربونها ويختبرونها، ويأنسون لتكرارها، وهذه يطلق عليها (بياجيه) – فترة النشاط الحسي الحركي –؛ وتبدأ هذه الألعاب بمحض الصدفة، ثمّ تتكرر لتصبح أنماطاً ثابتة من الألعاب.

ويلاحظ أنّ اللعب بالرمل والماء من أقدم ما يحبه الأطفال، الذين يواظبون على مثل هذا النوع من الألعاب حتى العاشرة من عمرهم، وغالباً ما تكون هذه الألعاب مقدمة للابتكارات التي تبدو بسيطة في أول الأمر، لكنها سرعان ما تتطور وتتقدم لتتمثل في نماذج بنائية كالنحت والرسم وغيرها من الفنون.

والذي يجذب الأطفال عادة هو الجِدة والتعبير؛ كذلك تجذبهم الحيوانات الأليفة أو الأشياء الملوَّنة، وخاصة ما يُحدث صوتاً منها، وكذلك الأشياء المدهشة والمغايرة لتوقعاتهم.

وحركات الصغار، لا تهدأ. أيديهم، أذرعهم، أقدامهم، انتقالهم من مكان إلى مكان آخر دون سبب يذكر، والصياح، وهذا من مستلزمات اللعب عند الأطفال، فالطفل يصرخ ويسمع صراخه، وهذا ينبهه للاستمرار في الصراخ، وهذا ما يطلق عليه (بالدوين) "ردود الفعل الدائرية"؛ وقد وافق (بياجيه) على هذا الوصف، وقال بوجود وظيفتين لها:

أ‌)       وظيفة مطابقة الأفعال (وهي ما أطلق عليه اسم التكيف).

ب‌) وظيفة الاندماج (وقد أطلق عليها اسم التمثيل).

ويكون اللعب استطلاعياً عندما تكون الغاية أو التجربة جديدة نسبياً، ويكون اللعب يدوياً عندما يتولد عن الشيء نفسه معلومات أكثر، وهناك لعب يسمى "لعب التمرين"، واللعب التكراري سواء كان مصحوباً بتغيرات أم غير مصحوب.

والادعاء والوهم مظهران من مظاهر النمو العقلي، حيث يبلغ التظاهر ذروته بين الثمانية عشر شهراً والسنة السابعة أو الثامنة من العمر. فالتظاهر أو اللعب الرمزي ينظر إلى علماء نفس الطفل على أنّه مظهر من مظاهر النمو؛ ويعود الفضل في هذا الكشف إلى (بياجيه) الذي راقب ولاحظ بدقة تغيرات اللعب الوهمي، وتطورها بتقدم السن. ويُصر الأطفال بعد سن الثالثة على إعطاء الألعاب أسماء خاصة بها ويصرون على هذه التسمية وإن كانت تحتوي على التحريف اللفظي أو على معانٍ منافية للسمع والذوق، فهم لا يتركونها قبل أن يدركوا بأنفسهم تفاهة هذه الأسماء ويستبدلونها بأسماء أخرى أكثر شيوعاً وأكثر قبولاً.

وقد يحتوي اللعب الإيهامي على قدر كبير من تمثيل المواقف العدوانية، كأن تدعي الطفلة أنها ستلقي لعبتها على النار، أو أنها ستشويها إن هي أخطأت، أو أنّ الطفل سيشنق لعبته و يحرقها أو يعذبها. ويرى بعض الباحثين النفسيين أن مثل هذه الحالات، إسقاط للرغبات العدوانية المكبوتة. فالشيء الذي يمتعض منه الطفل ويخشاه من أمه أو من أبيه، يحاول إسقاطه على لعبه.

ويرى (بياجيه) أن فترة التخيُّل عند الطفل سابقة على فترة التفكير المنطقي. فالطفل غير قادر على المعرفة بوضوح لكيفية التفكير ويرى (بياجيه) أنّ اللعب الإيهامي يضعف في سن السابعة أو الثامنة؛ واللعب الإيهامي تمثيل ممتاز، يجد فيه الطفل فرصة شبه حقيقية للتعبير عن مطالبه وعاطفته.

والسؤال الذي يشغل معظم الآباء والأُمّهات اليوم هو: هل من المفيد إعطاء الأطفال لعباً حربية (بنادق، مسدسات.. إلخ) وهل نكون بذلك نقوم بتشجيعهم على لعبة الحرب والقتل؟ ثمّ ألا يمكن اعتبار ذلك نوعاً من التشجيع للميول السادية عند الأطفال الصغار؟!

الإجابة على هذه الأسئلة ذات المضمون الواحد، ليس بالأمر اليسير، ذلك يعتبر مقبولاً في المراحل الأولى للطفولة (باعتباره أحد أشكال اللعب الإيهامي) وهو مرفوض في المراحل الأخرى.

وما لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أنّ العدوان، أو الدفاع عن النفس، هما فطرتان موجودتان في الإنسان، وُهبتا له كما وهبت سائر الحيوانات، وذلك لتنمية غريزة حفظ البقاء وحفظ النوع.

مثل هذه الألعاب كثيرة ومنتشرة بشكل واسع، وغالباً ما تنتشر في البلدان التي تعصف بها الحروب الداخلية أو الخارجية.

وفي البلدان التي تعتمد قوانين (خدمة العلم) من شأنها أن تشبع في الشباب هذه الرغبة، التي ما زالت مكبوتة منذ الطفولة. وبذلك تخرج من الأطر الإيهامية إلى حيِّز الواقع العملي مدعمة بشعور الانتماء إلى وطن وضرورة الدفاع عنه في حال تعرضه للخطر أو للعدوان.

والطفل يحاول أن يفعل شيئاً ما، يظهره كسوبرمان، فيحاول أن يظهر قائد تاريخي، أو رب أسرة، أو ضابطاً، أو أستاذاً، أو تاجراً يدير تجارة واسعة، يجمع الثروات، ويمتلك قدراً كبيراً من أوراق العملة التي تتمثل عنده في أوّل الأمر بأوراق من الكرتون أو الورق المقوَّى، والورق الملوَّن من فئات مختلفة.

والأطفال الذين يتمتعون بقدر أكبر من الخيال، كانوا أقدر على الجلوس صامتين من أولئك الذين لا يملكون حظاً كافياً من التخيُّل.

المحاكاة في اللعب: يقوم اللعب الإيهامي على المحاكاة، وهي تعطي عدداً من صنوف السلوك المختلفة، وهي تبعث أحياناً على الضحك مثل "التثاؤب، حركة الرفس اللاإرادية، كتلك التي تصدر من الناس الذين يشاهدون كرة القدم وهو سلوك ميسر اجتماعياً، وسلوك فرد في مجموعة ما من شأنه أن يقوّي نفس السلوك عند أعضاء المجموعة الآخرين".

والتعلم بالملاحظة أيضاً هو أحد مظاهر المحاكاة، فالحيلة أو اللعبة التي يقوم بها الأخ الأكبر، يشاهدها الأخ الأصغر باهتمام ودقة قبل أن يحاول التقليد والمحاكاة؛ وهذا النوع من المحاكاة ليس قسرياً ولا تلقائياً.

ويُصر الأطفال بين الثانية والثامنة من العمر على تناول نفس الأطعمة واستعمال نفس الأدوات المخصصة للكبار؛ بعض العلماء القدامى اعتبروا أنّ الميل إلى المحاكاة أمر فطري. وهناك ظروف مساعدة على المحاكاة فالرجل الاجتماعي أو الرجل المرموق الذي يحتل مركزاً مهماً، له تأثيراته في نفس الطفل، فيلجأ إلى محاكاته أثناء اللعب؛ فالطفل يحاكي ذلك الذي يرغب أن يكونه في المستقبل، والذي يسترعي انتباهه وإعجابه معاً؛ فارتداء الطفل لحذاء أبيه، وربطة عنقه وقبعته، هي كلها بمثابة تقمص لشخصية الأب، والرغبة في أن يكون الطفل هو نفسه ذلك النموذج في المستقبل، فيقوم بعملية التمثيل هذه عن طريق المحاكاة وهو يعي جيداً أنها عملية تمثيل، لكن ذلك لا يقلل من أهمية وقيمة المحاكاة.

وللمميزات الفردية تاثيراتها أيضاً في عملية المحاكاة. فالطفل الذي ينقصه احترام الذات أو يعتمد على غيره اعتماداً كلياً أو يشعر بنوع من العجز فهو يحاكي أكثر من الطفل الذي يثق بنفسه "والأطفال عادة يحاكون الشيء الذي يكافأون عليه".

والإناث أكثر محاكاة من الذكور، وربما يعود ذلك إلى شعور الأنثى بالضعف والدونية بالنسبة للرجل؛ كذلك فالذكور أكثر ميلاً للعدوانية من الإناث، ولذلك يقومون بمحاكاة الألعاب التي تعتمد على العنف والقوة، في حين ينصرف الإناث إلى اللعب التي تمثل العطف والحنان والأمومة.

وقد أشارت الدراسات إلى أنّ السلوك العدواني عند الأطفال يعود إلى امتداح العدوانية والمكافآت التي تعطى لهم من قبل والديهم من أجل ذلك. ولا تستلزم المحاكاة وجود الشخص الذي يحاكيه الطفل، فقد يقلِّد أبطال الأفلام السينمائية بعد انقضاء هذه الأفلام، أو قد يقلِّد بطلاً سمع عنه أو رآه في فترة من الفترات.

بعض الأطفال يعتمدون كلمات سرية أو مصطلحات يتخاطبون بها وذلك لإخفاء بعض الأمور على الآخرين ممن هم حولهم.

 

المصدر: كتاب الإرشاد النفسي، التربوي، الاجتماعي لدى الأطفال للكاتب د. محمد أيوب

ارسال التعليق

Top