• ٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٢ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

الوحدة من خلال التنوع

د. منصور إبراهيم

الوحدة من خلال التنوع
قال الله تعالى في كتابه المجيد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات/ 13).
إنّ إحدى جماليّات التعاليم الإسلامية، هي في تأكيدها على مفهوم الوحدة: وحدة الجنس البشري، وحدانية الله ووحدة الرسالة وحدة الأديان، ووحدة الدنيا والآخرة. والمسلمون يستطيعون أن يدركوا ذلك لأنهم متُحدون تحت لواء الإسلام، مع أن معظمهم قد يكون من بلاد وألوان وأجناس، ولغات مختلفة. ولكن تلك الأشياء لا أهمية لها أمام عين الله سبحانه وتعالى. والأمران الأعظم أهمية من كل ذلك هما العقيدة والإيمان نفسه.
إنّ مفهوم وحدة الإنسانية هذا، قد تم التأكيد عليه أيضاً من قبل النبيّ محمّد (ص) في خطبة الوداع حيث ذكَّر المسلمين بذلك من خلال قوله: "أيها الناس، كلكم لآدم وآدم من تراب. لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلّا بالتقوى".
ولكي نوضح المصطلحات الآنفة الذكر فلنورد تعريفاتها من خلال القاموس:
أ‌-      التنوع: هو خاصية، حالة، حقيقة أو كون الشيء متنوعاً، مختلفاً، متعدد الأشكال والألوان، وغير متشابه.
ب‌- الوحدة: حالة كون الشيء واحداً، متفرداً. شيء ما كامل وتام بذاته؛ خاصية كون الشيء واحداً في الروح، الإحساس والهدف، الانسجام والتناغم والتوافق، التطابق، والتناسق؛ التوحيد، مجموعة أو جسداً واحداً مؤلفاً من هذه الأمور، خاصية أو حقيقة كون الأشياء كلاً واحداً، الثبات، الاستمرارية، أو ثبات الهدف والعمل إلخ... الوحدة تتضمن الأحدية، كما في الروح، الغايات، المصالح والمشاعر التي يتألف كل أمر منها من عناصر متنوعة أو واحدة.
ينبغي الملاحظة بأننا نؤلف مجموعة متنوعة مع أننا من أنظمة وطنية سياسية واقتصادية مختلفة، مع فروقات في اللغات ونماذج السلوك والخصائص الخلقية؛ نحن مختلفون في طرائق تفكيرنا، وفي أفعالنا وردود أفعالنا، وفي معالجتنا للمشكلات والأوضاع. نتباين في أعمارنا وأوضاعنا الاقتصادية، كما نختلف أيضاً في معارفنا وتعلمنا.
كمسلمين، يمكن أن نصنف وحدتنا كما يلي: وحدانية الله، وحدة الرسالة، وحدة الدِّين، وحدة الإنسانية وحدة الحياة الدنيا والحياة الآخرة. تلك الأمور تقودنا بشكل آلي إلى التالي:
1-    لدينا عقيدة واحدة: إنها ليست مشتركة فيما بيننا جميعاً فحسب، لكنها العقيدة الوحيدة التي نمتلك ونشترك فيها. إنّها العقيدة الوحدة التي ننعم ونتعلق بها، وبدون امتلاك العقيدة الإسلامية نكون من الضالين عن الصراط المستقيم وسوف نواجه مشكلات متعددة في حياتنا اليومية.
2-    لدينا كتاب واحد هو القرآن: إنّه نص واحد، لغة واحدة، لهجة واحدة إنها اللهجة القرشية. وفي الحقيقة إنّه الوثيقة الفريدة التي تعتبر المقياس لدى كل مسلم. إنّه منبع التواصل بين ذات الإنسان الداخلية وخالقه. إنّه مصدر فهم هذه الحياة والحياة الآخرة. إنّه مصدر حلّ النزاعات بين المسلمين أنفسهم باعتبار أنّه المعيار الوحيد.
وفي أي وقت يواجه المسلمون بالمعضلات المتنوعة المؤقتة، سياسية كانت أم اقتصادية فإنّ مقياسهم الوحيد في التقويم والتقدير هو القرآن لذا عليهم أن يعودوا إليه ويستنيروا بتعاليمه. والمسلم الذي يعتمد في مقاييسه مصدراً آخر غير القرآن، فاننا ننصحه بدراسة الإسلام وأن يكون تلميذاً لهذا الدين العظيم لأنّه شرف أعظم في أن يكون تلميذاً للإسلام من أن يكون صوتاً للمصادر الأخرى. وليس ذلك فقط، لكن، لكي يصبح ذلك الإنسان صوتاً للإسلام، عليه أن يتعرف على الإسلام.
3-    لدينا نبي واحد: لا يوجد أي خلاف في الرأي حول شخصيته. إنّه قائدنا ومثلنا الأعلى الذي نسعى إليه في القيادة والزعامة إنّه الشخص الذي علينا أن نستلهمه ونتبعه. أحاديثه وأقواله ينبغي أن تكون المصدر الذي نستشهد به ونقتبس منه. وثانية، نقول للمسلمين الذين يستشهدون بالمصادر والناس الآخرين لمقاييس إسلامية يجب أن ينصحوا بأن يعودوا للإسلام ويدرسوه من منظوره الصحيح.
4-    لدينا قبلة واحدة: إنّه اتجاه واحد مركزه في مكة المكرمة. إنّه رمز وحدة المسلمين كلهم في وقت واحد، ومكان واحد. إنّه مصدر إلهام يذكرهم بوحدتهم خمس مرات كل يوم. ليس البرّ أن نولي وجوهنا قبل المشرق والمغرب، إنّها مسألة التقوى، الطاعة والخضوع لإرادة الله سبحانه وتعالى. إنّها قضية أن نطيع الله، ونخلص له ونعبده بكل ما في الكلمة من معنى.
5-    لدينا هدف واحد: هدف واحد، نية واحدة، وقصد واحد: أن نكون مسلمين حقيقيين ذوي قيمة، وبدون الهدف الواحد لا نستطيع أن نعمل معاً، لا يمكننا أن نفهم بعضنا البعض، لا يمكننا أن نثق ببعضنا ولا يمكننا أن نعتمد على بعضنا البعض. كما لن يكون لدينا التكامل، والتعويل على بعضنا البعض، ولا العدالة، ولا الثقة والأمل. وبدون أن تكون لدينا نية واحدة ثابتة وعميقة، فسوف لن نحقق أهدافنا، وأغراضنا ومقاصدنا.
إنّ هذه العناصر متداخلة ويعتمد بعضها على البعض الآخر، لكن يجب أن نعمل لتحقيق ذلك في ممارستنا ونشاطاتنا اليومية.
هذا البحث يقودنا لأن نذكّر أنفسنا بتعاليم إسلامنا من خلال مصادرها الأساسية: القرآن والسنة.
أ‌-      يقول الله تعالى في القرآن المجيد: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران/ 103).
ب‌- يقول النبيّ محمد (ص): "كن مع الجماعة فإنما يتخطف الذئب من الغنم الشاردة".
-        "الوحدة فيها الرحمة بينما الفرقة فيها العقاب".
-        "مَن مات بعيداً عن الجماعة، مات جاهلاً".
ومما يثير الشفقة في أيّامنا هذه أن نجد في العالم الإسلامي تناقضات في تعاليم الإسلام الأساسية. وبالرغم من أن ديننا يدعو للوحدة والعدالة، فإننا نرى شعوبنا منقسمة على بعضها البعض، لا يحترمون آراء بعضهم البعض ووجهات نظر الآخرين. ولا يبدو أنّهم يستوعبون مفهوم التسامح في الإسلام. هم يخفقون في إدراك أنّه لكي تكون لهم وحدتهم على اختلاف اجناسهم وتنوعها عليهم أن يفهموا بعضهم، ويحترموا بعضهم، ويتسامحوا مع بعضهم ويعيشوا مع بعضهم في انسجام كمجتمع إسلامي.
لقد عانى المسلمون وما زالوا يعانون! وستبقى هذه المعاناة حتى يعودوا إلى الإسلام ويتخذوه النظام الوحيد لحياتهم ومجتمعاتهم.
إنّ معظم الذين يمتلكون القوة في البلدان الإسلامية قد تربوا وتثقفوا في الغرب.
أكثر من ذلك، لقد تكاملوا كلياً مع الثقافة الغربية. ولذلك فقد حاولوا ولا يزالون يحاولون أن يفرضوا أفكاراً ونظماً غربية في العالم الإسلامي.
وأخيراً تتلخص واجباتنا بشكل خاص في الأمور التالية:
1-    أن نستفيد من الإنجازات التكنولوجية والعلمية.
2-    أن نستفيد من الوسائل المستخدمة لسير العمل والشؤون اليومية.
3-    أن نقوي روابط الأخوّة فيما بيننا ونفهم مشكلات عالمنا الإسلامي.
4-    أن نفهم إسلامنا أكثر ونبذلَ جهداً لأن نقرأ أكثر فأكثر في أوقات فراغنا.
5-    أن نؤسس طريقة منظمة، زمنية وفعالة في كيفية بدء العمل والنشاط على قاعدة الجماعة.
توجد قابليات جيِّدة من الطاقات الإسلامية هنا وهناك لكن بالمقابل هناك نقص في التنظيم، وتوجد ثغرة في جهودنا وينبغي التخلص من هذه الثغرة وتحويل قابليات النشاط لدى المسلمين إلى قوة ديناميكية.
ويقع تحقيق هذا الأمل على عاتق المفكرين المسلمين الشباب، وكذلك الأمل في أن ينضوي العالم الإسلامي تحت راية الإسلام. وبقدر ما نكون صادقين ومخلصين وأمناء، وبقدر ما يكون هناك فهم وتعاون متبادل، وبقدر ما نبذل جميعاً من جهد لنحسن الأوضاع، يصبح الأمل حقيقة وواقعاً.
إنّ الأمل كله يكمن في توحيد العالم الإسلامي. وبمقدور الشباب والمسلمين المفكِّرين أن يبرهنوا، ليس فقط للعالم الإسلامي، ولكن للعالم كله، أنّ الإسلام، نظرية وتطبيقاً، هو القوة الوحيدة الرابطة للمسلمين، القوة التي يمكن أن تجمعهم مع بعضهم البعض بوحدة وسلام تحت القوة الهادية للقرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة المطهَّرة.
(رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) (الكهف/ 10).
 
المصدر: مجلة نور الإسلام/ العددان 19 و20 لسنة 1991م

ارسال التعليق

Top