• ٣١ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٨ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

طفلك وتجارب النجاح والفشل

طفلك وتجارب النجاح والفشل
 يعتقد معظم الأهل والأقارب والأصدقاء وحتى الأنظمة التربوية، أنّ الفشل ليس من بين خيارات طفل هذه الأيام. ولأنّه غالباً ما يتم ربط الفشل بالألم وبالخسارة فمن الطبيعي أن يرغب الأهل في حماية أطفالهم من المعاناة التي يسبّبها الفشل.
من الطبيعي أن تشعر الأُم بأنها مُلزَمَة بمساعدة طفلها على إنجاز ما يُطلب منه. ولكنها بذلك تُضعف قدرته على مواجهة الفشل وتحقيق النجاح في المستقبل، بسبب حرمانه في اختبار الفشل. إذ نادراً ما يستطيع أي شخص تحقيق النجاح، من دون أن يمرّ بتجربة فشل في حياته. إنّ تَعلُّم التكيُّف مع خيبة الأمل والغضب والإحباط والحزن، هو جزء من متطلبات صَقْل شخصية الإنسان، سواءٌ أكان طفلاً أو بالغاً، حتى يُصبح مسؤولاً.
إنّ فشل الطفل في أمور مثل عدم النجاح في امتحان، أو في تشكيل فريق، أو في أن يكون جزءاً من فريق رياضي مَدْرَسي أو في الجوار، أو في إنجاز عمل طُلب منه، هو بمثابة درس مُفيد يتعلم منه الطفل التكيُّف مع خيبة الأمل والضعف والارتباك. إنّ تجاوب الطفل مع مشاعر الغضب والإحباط والحزن والارتباك وقلّة احترامه ذاته واعتزازه بنفسه، تعتمد إلى حد بعيد على سنّه ونضجه. ففي الإمكان تعليم الطفل مهارات التكيُّف الإيجابي، التي تُساعده على تجاوز أحداث غير مريحة. مع المعروف، أنّ الطفل يتعلم من الأشخاص المحيطين به. فإذا كانوا سريعي الغضب ومَيّالين إلى فرض سيطرتهم على الآخرين، ولا يستطيعون الانسجام مع محيطهم، ولا يتقبّلون نتائج أعمالهم، سيتعلم الطفل الدرس نفسه وسيصبح مثلهم.
 
- حافز:
إنّ الفشل في ناحية مُعيّنة، يفتح الباب أمام نجاحات في نواحٍ عديدة أخرى. قد لا يكون الطفل بارعاً في تشكيل فريق رياضي، لكنه يستطيع أن يُدير حلقات دراسية في مادة العلوم مثلاً، أو الرياضيات أو الأدب.. إلخ، أو في إنجاز عمل ما بإتقان شديد. إنّ مدح الطفل على الإنجازات التي يستطيع تنفيذها وتشجيعه على الاستمرار في محاولاته، يساعدانه كثيراً في حال فشله في نواحٍ أخرى ويُعلمانه التكيّف مع الفشل.
إنّ الفشل في أول محاولة، أو ثاني محاولة أو حتى بعد محاولات عديدة، يحفز الطفل إلى بذل المزيد من الجهد في التدريب والدراسة، ومحاولة إيجاد وسائل أخرى تُساعده على تحقيق مآربه. إذ يستطيع الطفل تعلُّم المزيد عن كيفية التوصُّل إلى حل مشكلة ما من خلال الفشل. لذا، على الأُم مساعدة طفلها على تخمين أسباب فشله والتوصّل إلى كيفيّة تجنّبه مرة أخرى. فمن خلال المحاولة والفشل ثمّ المحاولة ثانية والنجاح، يتعلم الطفل الصبر، والمثابرة، والشعور بالفخر بالإنجازات التي يحققها.
إنّ الفشل ليس نقيضاً للنجاح. فالطفل يتعلم الوقوف والزحف والمشي وتناول الطعام بالملعقة لوحده، بعد محاولات عديدة فاشلة. فهو يتعلم من التجربة والخطأ قبل أن يتمكن من إتقان عمل ما يُسند إليه. إذ لم يحصل أن توقف الطفل عن أن يجرب ثانية عند فشله، في حال لم يجد مَن يشجعه ويدفعه إلى المحاولة ثانية. لذا، فإنّ الأُم التي تُسارع إلى رفع طفلها كلما وقع أرضاً، تمنعه من النجاح في التوصل إلى التوازن المطلوب الذي يساعده على المشي.
إنّ النجاح لا يعني "الفوز" بل يعني إيجاد وسيلة أخرى. قد يُؤلم الأم أن ترى طفلها وهو يحاول التكيُّف مع تجربة مُؤلمة أو غير سارة. مثلاً، فشله في ركوب الدراجة ووقوعه أرضاً، أو فشله في امتحان ما، أو في الانضمام إلى فريق من الفرق المدرسية. ولكن يجب ألا يغيب عن بالها، أنّه لابدّ لكل طفل أن يمر بهكذا تجربة، وأنّ عليها أن تُشجعه على المحاولة ثانية بدلاً من أن تُشعره بألمها، فيخاف الطفل من إعادة المحاولة. إنّ العلاقات السيئة تجعلنا نٌقدّر عالياً العلاقات الجيِّدة. ففشل الطفل في الانضمام إلى فريق ما، بسبب رفض الفريق له، قد يدفع به إلى العمل بنشاط وقوة، واكتشاف متعة الاعتماد على النفس.
 
- خطوات مفيدة:
إليك بعض الخطوات التي تساعدك على تعليم طفلك استخلاص دروس مفيدة من الفشل:
·                مساعدة الطفل على تحديد عواطفه وإحساسه والتعبير عنها بطريقة مقبولة، فإذا لم ينجح الطفل في المدرسة أو في الملعب، لابدّ من وجود شخص من العائلة بالقرب منه، ليساعده على التعامل مع انفعالاته وأحاسيسه.
·                إعطاء الطفل فرصة ليتحدث عن أسباب عدم سير الأمور كما كان يرغب أو يتوقع، في اعتقاده: ففي استطاعة حتى الأطفال الصغار، التعبير عن مشاعرهم، وما على الأهل سوى الإصغاء إليهم. إذ يُمكن أن يكون الطفل قادراً على تقديم تفسير لما حصل، لم يكن يخطر على بال الأم.
·                توفير أنشطة مناسبة تتلاءم وسن الطفل، وتتناغم مع مهاراته واهتماماته: أحياناً كثيرة، تُبالغ الأم كثيراً في توقعاتها من طفلها، على الرغم من صغر سنّه. فلا ضَيْر إذا لم يكن الطفل من الأوائل في السنين الدراسية الأولى، أو إذا لم يتمكن في سن الرابعة، من ركل الكرة بقدمه نحو الهدف.
·                التوضيح للطفل أن تحقيق الفوز ليس أهم شيء يمكن أن يحرزه في حياته: يجب أن تمدح الأُم جهود الطفل ومواقفه تماماً مثلما تمدح تحقيقه الفوز. على الأُم أن تُنوّه دائماً بصفات طفلها الإيجابية، لأنّ مثل هذا التنويه يساعده على بناء ثقته بنفسه، حتى لو كان الطفل صغيراً في السن.
·                عدم مُبالَغة الأم بشأن توقعاتها من طفلها، بل يجب أن تكون واقعية ومعقولة: عليها ألا تتوقع أن يبرع طفلها الذي لا يزيد عمره على السنتين في عزف قطعة موسيقية لبيتهوفن خلال يومين، أو أن يتمكن من تجميع صورة من المكعبات خلال دقائق معدودة، لمجرد أن شقيقته تستطيع فعل ذلك.
·                يجب ألا يغيب عن بال الأُم، أن طفلها يُراقب كيف تتعامل مع الفشل في حياتها اليومية: لا بأس من أن تشاركه الحديث عن خيبة أملها، ولكن عليها أن تُبيّن له كيف تستخلص العبر من تجاربها.
·                على الأُم أن تدع طفلها يعرف أنها تحبه، سواءٌ أكان ناجحاً أم فاشلاً: فإذا عانقته بقوة وشجعته ببعض الكلمات، يمكن أن تُخفف من شعوره بالألم عند فشله في اختبار، أو في حال سقط أرضاً أثناء تَعلّمه ركوب الدراجة لأوّل مرّة.
 
- تجارب النجاح والفشل:
أثناء نمو الطفل وتطوره، يمر بتجارب عديدة ناجحة وأخرى فاشلة. وبما أن أداء الطفل يُقيّم، في عالم اليوم الذي تشتد فيه المنافسة، بناء على الأنشطة التي يُشارك فيها في المدرسة أو خارجها، فقد تترك هذه الطريقة في التقييم أثراً في تطور الطفل، في حال فشل في المشاركة في أيٍّ من هذه الأنشطة. وقد يتأثر الطفل سلباً في حال فشل في إنجاز عمل ما بطريقة جيِّدة، أو في حال لم يتمكن من إنجازه إطلاقاً.. كيف يتعلم الطفل عن النجاح والفشل؟
·                الطفل بين السنتين الأولى والثالثة: يستمتع الطفل الصغير بتعلُّم مهارات جديدة، ولا يخاف من تجربة كل ما هو جديد. فإذا استطاع إنجاز عمل جديد يشعر بالسعادة. وهذا الشعور يشجعه على محاولة تجربة أعمال جديدة. أما الطفل الأكبر سنّاً، فيتطلّع إلى الأشخاص البالغين ليقيّموا تصرفاته ومهاراته. لأنّ الطفل في هذا العمر لا يملك من الوعي والقدرة ما يمكنه من معرفة أسباب نجاحه أحياناً وفشله أحياناً أخرى، ولا ما الذي يجب فعله لكي ينجح في المرات المقبلة. للأم دور كبير في هذا المجال. فهي التي تُقيّم أداء طفلها وتصرفاته. مثال على ذلك، الأُم التي تُراقب طفلها وهو يتعلم المشي. إذ تقف أمامه مبتسمة ويداها ممدودتان، لتشجعه على المشي في اتجاهها، فإذا سقط ترفعه عن الأرض وتطلب منه أن يحاول ثانية، وإذا نجح تضمّه إلى صدرها وتُقبّله. فمن خلال كلمات التشجيع المعانقة اللطيفة، يُدرك الطفل أنّه أسعد أمه، فيحاول مرة ثانية.
·                الطفل بين السنتين الثالثة والرابعة: بين سن الثالثة والرابعة، يكون الطفل قادراً على تقييم أدائه بطريقة أفضل. وبناء على ما تعلمه من تجاربه وفشله، يصبح في الأغلب قادراً على معرفة ما المطلوب لتحقيق النجاح في المستقبل. إنّ إيمان الطفل بإمكاناته وبقدرته على النجاح، أمر ضروري لتحقيق النجاح. لذا، من المهم أن يحصل الطفل على التشجيع أثناء تعلّمه أعمالاً ومهارات جديدة. إذ من الممكن أن يتخلّى بعض الأطفال عن إتمام عمل ما، عند مواجهتهم أي عائق، أو إيجاد صعوبة في إنجازه، ظناً منهم أنهم لا يملكون القدرة على ذلك. على الأُم تشجيع الطفل على تجربة عمل جديد، وأن تمدحه لو حاول إنجاز عمل صعب. من المهم أن تحب الأُم طفلها من دون شروط، وألا تربط بين حبّه لها وقدرته على الإنجاز.
·                الطفل بين السنتين الخامسة والثانية عشرة: يستطيع الطفل في هذا العمر الربط بين قدرته على الإنجاز وأدائه ومهارته. فإذا لم يستطع على تغيير النتيجة. هو لا يستسلم بسهولة، بل يستمر في المحاولة. وفي هذه المرحلة من العمل، يبدأ الطفل في تعلُّم ترويض بعض المشاعر السلبية، التي يمكن أن تؤثر في شعوره نحو ذاته. تستطيع الأُم مساعدة طفلها للتوصل إلى معرفة اهتماماته وقُدراته، وتشجعه على الانخراط في أنشطة تُبيّن مهارته. ويعتقد بعض الأطفال، أن سبب افتقارهم إلى النجاح يعود إلى افتقارهم إلى المقدرة، وليس إلى فعلهم. فهم لا يُوازنون بين قدرتهم على النجاح وقدرتهم على السيطرة على العمل الذي يؤدونه. لذا، إذا كان العمل صعباً يشعرون بأنهم لا يستطيعون السيطرة عليه، فيتخلون عن إنجازه حتى قبل أن يحاولوا. مثل هؤلاء الأطفال، في حاجة إلى المدح والتشجيع والتقييم الإيجابي، لأنّهم يجدون صعوبة في الإيمان بقدرتهم على النجاح. لذا، على الأُم تعليمهم كيف يُقيمون أعمالهم، بناءً على قُدراتهم ومهاراتهم. ويحتاج الأطفال إلى تدريب ليصبح في إمكانهم تقييم أسباب نجاحهم، والخطوات التي يجب اتّباعها لتحسين أدائهم.
·                الطفل في سن المراهقة: عندما يصبح الطفل في سن المراهقة، يفهم أهمية المحاولة وعدم الاستسلام. وفي هذه السن يُدرك أن في إمكان شخصين صاحبي قُدرات مختلفة إنجاز العمل نفسه، كما يصبح في إمكانه تقييم أدائه بنفسه وألا يعتمد كلّية على تقييم الآخرين له.
 
- ماذا تستطيع الأُم أن تفعل؟
تستطيع الأم أن تلعب دوراً مهماً في مساعدة طفلها على التكيّف مع النجاح والفشل.. هنا بعض الإرشادات التي تساعدها في ذلك.
·                حُب الطفل من غير قيد أو شرط: على الأُم أن تكون متأكدة من أن طفلها يعرف أنها تحبه بغَضّ النظر عن أدائه، عليها ألا تربط حبّها له بنجاحه أو فشله في إنجاز عمل ما.
·                التوصل إلى معرفة قُدرات الطفل: يجب أن تكون الأُم على دراية واسعة بمراحل تطور ونمو الطفل، وما يستطيع فعله في كل مرحلة من هذه المراحل.
·                الواقعية في ما تتوقع: على الأُم أن تكون واقعية في ما تتوقع من طفلها. عليها أن تعرف قُدرات طفلها، وأن تكون أهدافها وتوقعاتها مُلائمة لقُدراته.
·                تقديم المشورة للطفل: يحتاج الطفل إلى أنّ يسمع دائماً، أنّ النجاح والفشل جزء من الحياة. فمن المهم أن يتعلم الطفل أن ينهض ويعود إلى المحاولة ثانية.
·                التحدث عن النجاح: يجب أن تُحدّث الأم طفلها عن الجهد الذي بذله، والذي مكَّنهُ من تحقيق النجاح.
·                المثال الجيِّد: يجب أن تسمح الأم لطفلها بأن يطّلع على تجاربها في النجاح والفشل. فمن خلال هذه الملاحظات، يتعلم الطفل كيف يتعامل مع مشاعره، التي تترافق وتجارب النجاح والفشل في العادة.
·                التعبيرعن المشاعر: يجب أن تُعلّم الأُم طفلها طُرق التعامل مع أحاسيسه ومشاعره. إذ إنّ من الممكن أن تمر لحظات على كل طفل يشعر فيها بالسعادة، أو بالفخر، أو بالحزن، أو بالعار أو بأية مشاعر إنسانية أخرى. والطفل، كما الشخص البالغ، يحتاج إلى التحدث عن هذه المشاعر، فعلى الأم أن تُعلمه كيف يُعبّر عن مشاعره بطريقة مقبولة.
في نهاية الأمر، في الإمكان القول، إنّ الطفل يتعلّم عن النجاح والفشل طوال مراحل نموّه وتطوّره، وعلى الأهل تعليمه التكيّف والتعامُل معها بتوجيهه وتقديم الدعم وكل الحب له.

ارسال التعليق

Top