• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

علموا طفلكم كيف يرفه عن نفسه

علموا طفلكم كيف يرفه عن نفسه

كلّ أُم تطمح إلى أن يصبح طفلها في المستقبل فرداً مستقلاً بذاته ومنتجاً وناجحاً في مجتمعه. وفي الحقيقة إنّ غرس الثقة في نفس الطفل هو أعظم هدية يمكن أن تقدمها الأُم لطفلها.

على الأُم أن تبدأ في غرس الثقة في طفلها في سن مبكرة جدّاً، وألا تتوقف عن ذلك إلّا بمغادرته منزل والديه. إنّ تعليم الطفل على امتلاك القدرة للترفيه على نفسه، هو شكل من أشكال بناء الثقة بالنفس. فاللعب هو من أهم المهارات التي تساعد على زرع الثقة بنفس الطفل. وقد اكتشف العلماء في العقود الحديثة أهمية اللعب في تحسين تطور دماغ ومهارات كلّ المخلوقات.

يعتمد الأطفال الصغار كلياً على الأهل في كلّ شيء، بما في ذلك الترفيه عنهم. ولكن، كلما كبروا، تزداد قدرتهم باضطراد على الترفيه عن أنفسهم. لذا، يجب تشجيعهم وتوفير بيئة آمنة لهم ليتمكنوا من التوصل إلى امتلاك هذه المهارة التي تشكل أهمية قصوى في حياتهم.

لكن، ولسوء الحظ، أصبحت المجتمعات الحديثة تفقد القدرة على تنشئة أطفال يستطيعون الترفيه عن أنفسهم. وتبدأ المسألة منذ سن الطفولة، حيث يتوافر للطفل عدد هائل من الألعاب التثقيفية التي ترسل أضواءً بألوان مختلفة، وتصدر أصواتاً موسيقية وتتحرك وحدها. ثمّ أصبح الطفل الصغير يمضي ساعات طويلة أمام شاشات التلفزيون في مشاهدة الصور البراقة والاستماع إلى الأصوات العالية. ومن ثم أقبل على الكمبيوتر وألعاب الفيديو والهواتف الخلوية وأجهزة الـ"دي. في. دي" المحمولة والأجهزة الإلكترونية الأخرى.

في نظر كلّ التربويين، فإنّ كلّ هذه الألعاب سيِّئة لكلّ أطفال العالم. وللأسف، أصبحت هذه الألعاب الإلكترونية التافهة هي مصدر التسلية الوحيد والنهائي بالنسبة إلى العديد من الأطفال، وهي الوسيلة التي يرفهون بها عن أنفسهم. وإذا ما أبعد الطفل عنها، لا يعرف كيف يتصرف لتمضية أوقاته، فيأخذ في الصراخ: "أنا زهقان وأشعر بالملل".

وأسوأ ما في الأمر أنّ معظم الأطفال، بمن فيهم الذين يملكون العديد من الألعاب الثمينة والألعاب الإلكترونية، يرددون هذه العبارة بشكل دائم. ولمعالجة ضجر الطفل ووضع حد لـ"نقه"، تسارع الأُم إلى شراء المزيد من الدمى والألعاب الإلكترونية التي يلعب بها الطفل لفترة من الوقت ثمّ يضيفها إلى تلال الألعاب الأخرى التي أصبحت مضجرة في نظره.

بالتأكيد هذه ليست طريقة علاج صحيحة. فالعلاج لمثل هؤلاء الأطفال الذين يتذمرون وينقون، على الرغم من كلّ ما يملكون، هو، كما سبق أن ذكرنا، غرس الثقة بداخلهم. إنّ الأطفال الذين يستطيعون الترفيه عن أنفسهم من دون وميض الأجهزة الإلكترونية، أو من دون الحصول على اهتمام الأهل دائماً، يصبح لديهم مناعة قوية ضد الملل والضجر.

هنا بعض الطرق الفعّالة التي يمكن أن تساعد الأُم على تنشئة طفل قادر على الترفيه عن نفسه:

1-    إعطاء الطفل فرصة ليرفه عن نفسه:

إنّ الأطفال، خاصة الصغار منهم، في حاجة إلى الوقت ليتعلموا كيفية الترفيه عن أنفسهم. إنّ الطفل الذي ينتقل من سريره المزين بألعاب وصور المزخرف بألوان مختلفة إلى مقعد مزين بالأشرطة الملونة و"الخشاخيش"، ثمّ إلى كرسي هزاز محاط بلمبات تصدر أنواراً مختلفة إلى صف الروضة، حيث تلوح المعلمة ببطاقات تحمل أحرفاً مشعة أمام وجهه، إلى الجلوس وقت الغداء مع أُمّه المشغولة بمشاهدة برامجها التلفزيونية، يمكن أن يكون بطيئاً في تعلم إمتاع نفسه بنفسه أكثر من الطفل الذي يترك غالباً وحيداً على السجادة على الأرض مع بعض كُتب الأطفال أو "الخشخاشة" العادية أثناء انشغال أُمّه بالأعمال المنزلية أو القراءة. إنّ تعليم الطفل على إمتاع نفسه بنفسه يساعده على بناء قدراته الإبداعية ومهاراته الذهنية الأساسية. ففي الغالب، الأُم هي التي تقول لطفلها ما المطلوب منه أن يفعل بالضبط وطريقة تنفيذه، أو توجهه إلى اللعب ببعض الألعاب بطريقة محددة. إنّ الإبداع هو نتاج الاكتشاف، ونتاج استخدام شيء ما بطريقة جديدة. من هنا، فإنّ السماح للطفل بأن يتولى أمر الترفيه عن نفسه يوفر له المزيد من الفرص ليعمل بطريقته الخاصة. يفضل الطفل أن يكتشف بنفسه كيف تصدر لعبة ما أصواتاً، أو كيف تتحرك على أن تعلمه الأُم أوّلاً على طريقة استخدامها. إنّ تشجيع الطفل على اللعب وحده يبدو عملاً مملاً للطفل، لذا، فهو يصرّ على بقاء أُمّه إلى جانبه أثناء اللعب لتراقب كلّ خطوة من خطواته، ولكن بقليل من الصبر من طرف الأُم يبدأ الطفل في تعلم كيف يشغل نفسه.

 

-         الخطوة الأولى: تحرير الطفل من قلق اللعب وحيداً

على الأُم أن تبدأ في تعليم طفلها خطوة بخطوة إلى أن يعتاد على فكرة إشغال نفسه بنفسه. بداية، عليها أن تجلس إلى جانبه بصمت وهو يلعب من دون أن تشاركه اللعب. وعندما يغرق كلية في اللعب، تستطيع الأُم الانتقال إلى مكان آخر في الغرفة نفسها بعيداً عن طفلها. أن يلعب الطفل وحيداً، لا يعني تركه وحيداً. إنّ وجود الأُم معه في المكان نفسه يريحه ويشجعه على الاستمرار في اللعب وحده.

على الأُم ألا تتوقع حصول معجزة منذ البدء. إنّ قدرة الطفل على اللعب وحده تستند في جزء منها إلى سنّه. ففي حين أنّ طفلاً في عمر 12 شهراً لا يستطيع اللعب وحيداً أكثر من ثماني أو تسع دقائق، فإنّ طفلاً في عمر 30 شهراً يستطيع اللعب وحيداً مدة عشر دقائق. مهما كانت المدة التي يقضيها الطفل في اللعب وحيداً، على الأُم أن تمتدح تقدمه في هذا المجال.

 

-         الخطوة الثانية: منح الطفل الوقت الكافي

بالتأكيد إّن من حقّ الأُم أن تقلق بشأن ما يشغل طفلها. ولكن حالما يبدأ في اللعب وحيداً وهو سعيد، عليها أن تتوقف عن الدوران حوله، خاصة إذا كان المكان الذي يلعب فيه آمناً ومريحاً، لأنّ بقاءها بالقرب منه يسهل عليه مطالبتها بمشاركته اللعب. على الأُم أن تكون حريصة أيضاً على ألا تملي على طفلها كيف يلعب بألعابه باستمرار (يا أحمق، هذه سيارة عليك وضعها على الأرض ودفعها لتسير وليست جهاز تليفون يمكنك وضعه على أذنك والتحدث عبره). قد تكون نية الأُم حسنة. ولكن، إذا أقحمت نفسها باستمرار في كلّ صغيرة وكبيرة، فإنّها تخاطر في تنشئة طفل يعتمد عليها كلياً في كلّ شيء ولا يجرؤ على عمل أي شيء من دون توجيه منها.

علاوة على ذلك، يشعر الطفل بالفخر عندما ينجز عملاً يقوم به. ولتشجيع الطفل على الاكتفاء الذاتي، على الأُم مساعدته على وضع سيناريو لمسرحية من وحي خياله. مثلاً، أن يبني المسرحية على أساس التظاهر بأنّه ذاهب لزيارة منزل جدته، على الأُم ألا تتدخل في تفاصيل السيناريو، بل عليها الاكتفاء بطرح الأسئلة حول الوسيلة التي سيستعملها للوصول إلى منزل الجدة، وما الذي سيفعله هناك، ثمّ عليها مراقبته عندما يتظاهر بأنّه وصل إلى منزل الجدة، كيف سيتصرف وكيف سينهي مسرحيته الخيالية.

 

-         الخطوة الثالثة: إضفاء نوع من التسلية على فكرة الطفل

إنّ إحدى أفضل الوسائل لجعل الطفل ينهمك في المسرحية، هي أن تكتفي الأُم بإظهار اهتمام كبير بالنص الذي وضعه الطفل ويشعر بالاعتزاز به، وأن تتركه يقوم بتمثيل الأدوار كلّها وحده، وتكتفي بإبداء سعادتها لتمضية وقت ممتع ومسلٍّ في مشاهدته. يجب الأطفال تقليد الأشخاص البالغين في كلّ شيء. وإذا أرادت الأُم أن يشغل طفلها نفسه ويرفه عنها أثناء انشغالها في تنظيف المنزل، يمكنها إعطاؤه مكنسة صغيرة ليكنس بها الأرض من حوله.

إنّ ما يجعل وقت لعب الطفل ممتعاً مع الأُم، هو الصحبة، وكي يتعلم الطفل عدم الاتكال على الأُم لتشاركه اللعب دائماً، عليها أن تمنحه الفرص باستمرار ليتفاعل مع أطفال آخرين، وسرعان ما يتعلم أنّ في إمكانه تمضية وقت ممتع من دون أُمّه.

 

-         الخطوة الرابعة: على الأُم أن تحتال على الطفل أحياناً

إذا أرادت الأُم أن يصبح طفلها مستقلاً في طريقة تفكيره، عليها البدء بتعويد طفلها اللعب وحده في سن مبكرة. يمكنها، مثلاً، أن تضع بين يديه العديد من الأشياء التي يمكن استخدامها بطرق عدة، من مثل المكعبات الخشبية، أوعية وأوانٍ بلاستيكية، وصناديق مصنوعة من الكرتون المقوى، فكلّها مواد تشجع الطفل على اللعب وحده بها وتشغله لفترة طويلة من الوقت.

إضافة إلى الاهتمام بنوعية ألعاب الطفل، على الأُم أن تهتم بكميتها أيضاً. فإذا امتلك الطفل عدداً كبيراً من الألعاب، قد يحار ماذا يفعل بها. فالطفل عادةً، كما البالغين، يمكن أن يرتبك إذا خُير بين خيارات عدة. وفي الحقيقة، إنّ إبعاد الألعاب عن أعين الطفل لفترة من الوقت ثمّ تقديمها له، قد يجعل الطفل يتقبلها على أنّها ألعاب جديدة، فيستمتع بها كثيراً. لذا، فإنّ إخفاء الألعاب لفترة من الوقت عن عيني الطفل، ثمّ إظهارها إلى الوجود من الوقت عن عيني الطفل، ثمّ إظهارها إلى الوجود ثانية، واحدة من أبسط الطرق التي تشجع الطفل على اللعب وحيداً ولفترة طويلة من الوقت.

 

2-     ضبط الطفل أثناء تصرفاته الجيِّدة:

بالطبع، هناك فرق كبير بين فسح المجال للطفل للترفيه عن نفسه وبين تجاهله. إذ يجب مراقبة الطفل الصغير، بشكل خاص، بدقة حتى أثناء فترات لعبه بهدوء. ومن خلال مراقبة الطفل، تستطيع الأُم ضبطه أثناء إتيانه تصرفاً جيِّداً. إذا تعلّم الطفل أنّ عليه القيام بتصرفات سيِّئة لينال اهتمام الأُم، تزداد تصرفاته سوءاً. ففي نظر الطفل الصغير أنّ الاهتمام به سلبياً أفضل من عدم الاهتمام نهائياً. ولتجنب الطفل الشعور بأنّه مهمل من طرف الأُم، عليها أن تتوقف عن عملها للحظات بين حين وآخر، وأن تذهب إلى طفلها وتركع بالقرب منه وهو يلعب بهدوء وحده وتشكره لأنّه يلعب وحده من دون ضجة أو نق، أو أن تمتدح العمل الذي يقوم به.

 

3-     تعويد الطفل على القراءة:

على الأُم أن تقرأ ليلاً لطفلها وبصوت مسموع، حتى لو كانت لا تحب القراءة بصوت عالٍ، فالقراءة هي وسيلة من وسائل الترفيه عن النفس. لذا، على الأُم ألا تكتفي بالقراءة للطفل، بل الأهم تعليمه كيف يحب القراءة. وبينما يعتقد معظم خبراء التربية أنّ تعليم الطفل القراءة هو عملية يفضل تأجيها إلى أن يكون الطفل مستعداً، إلّا أنّ تعليم الطفل حب القراءة هو عملية يمكن البدء بها قبل أن يستطيع معرفة أحرف اللغة. على الأُم أن تحرص على تعليم الطفل حب القراءة حتى يستعين بهذه المهارة للترفيه عن نفسه.

ارسال التعليق

Top