• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

قصص تربوية هادفة في الهمم العالية والواطئة/ ج(3)

أسرة

قصص تربوية هادفة في الهمم العالية والواطئة/ ج(3)
القصة الخامسة
"مسمارٌ ناقصٌ خسارةٌ كُبرى!!"
 
ركبَ فلاحٌ مهملٌ متقاعسٌ فرسَهُ باتِّجاه المدينة لبعضِ شأنه، وقبل أن يركبُ ظهرَ فرسهِ التفتَ فرأى أنّ إحدى نعال الفرس ينقُصها مسمار، فقال متهاوناً في الأمر، مُقلِّلاً، من قيمته: لا بأس، مسمار زائد أو ناقص لا يؤثِّر شيئاً في سرعة الفرس.
وبينا هو في بعض الطريق، إذ سقطَ نعلُ الفرس، فلم يأبه ولم يكترث كثيراً، بل قال: لا بأس، فإنّه يمكن المشي بالنِّعال الثلاثِ الباقية!
ولأنّ الفرس اعتادَ على السير بأربع نِعال، فإنّه يعرجُ في سيره، وثقلت حركته، وشيئاً فشيئاً تعطّلت، وفيما الفلاحُ منشغلٌ في فرسه وحثِّه على السير بثلاثِ نِعال، خرجَ عليهِ إثنان من قُطّاع الطّرق، فلم يتمكّن أن يفرّ أو يهرب منهم لبطء حركة سير الفرس، فأخذا ماله، وصادرا فرسَه، فرجع إلى قريته ماشياً يجرّ أذيال الخيبة والخسران، وهو يُردِّد مع نفسه: ما كنتُ أظنُّ أنّ فقد مسمارٍ واحدٍ من نعلِ الفرسِ سيكون سبباً لخسارة الفرس، وسلبي أموالي، ومكابدتي السير على الأقدام!!
 
- الدروس المُستخلَصة:
1- الإهمال الصغير سبب لخسارةٍ كبيرة، وألمٍ كبير.
2- عدم إصلاح الخلل في بدايته سيوسع رقعته، وفتقه، وقد يتعذّر لاحقاً إصلاح ما كان ممكناً وسهلاً سابقاً، أو في مرحلة ابتدائيّة، فالمضاعفات تأتي من الإهمالات الصغيرة.
3- (مسمارٌ واحد) ليس شيئاً قليلاً، فقد يتمّ به إعمار عربة مخلخلة، أو صندوق مهلهل، أوَليسَ نقول: (المسمار الأخير في نعش فلان)، تعبيراً عن القشّة التي قصمت ظهر البعير، أي بسببه هلك، وبه انتهى، فلا تحقرنَ صغيراً.
4- كلمة (لا بأس) أو (إنّه أمر عاديّ) أو (هو شيء طبيعيّ) أو (لا عليك)، كلمات باعثة على الكسل والخمول والتقاعس والتخاذل، والقبول بالوضع السيِّئ، وتبرير الإهمال الذي لا تجدُ له معنى في قاموس أصحاب الهمم ورجال الأعمال.
 
القصّة السادسة
"فضيلةُ المُبادرة!!"
بعد اكتشاف (كريستوفر كولمبس) قارّة أميركا الشماليّة، وعودته إلى إسبانيا، بلده الذي انطلقَ منه في رحلة الإستكشاف الشهيرة، حاولَ البعضُ من حسّادهِ أن يُقلِّلوا من شأن اكتشافه، وأن يسخروا منه.
فما كانَ من (كولمبس) حتى يقطع الألسنة التي تلوك بسيرته وتستخفّ به، إلّا أن دعا أولئك الحسّاد إلى وليمةٍ وآتى كلّ واحدٍ منهم طبقاً وبيضة، وقال لهم: الحاذق منكم مَن يجعل بيضته تقف على طرفها المُدبّب.
فحاول المدعوون ذلك مراراً، لكنهم عجزوا من إيقاف البيضة على طرفها.
فأخذَ (كريستوفر) بيضةً وضربها فانكسر طرفها فأوقفها على الطاولة فاستقامت.
فصاحَ جميعُ مَن حضر: إذا كان الأمرُ كذلك، فهو هيِّن، كلّنا يستطيع أن يفعل ذلك!
هنا لعبَ (كريستوفر كولمبس) لعبته، وقطفَ ثمارَ حيلته، فقال: ولكنّني سبقتكم إلى الفكرة من قبل أن تخطر على بالِ أحدٍ منكم، وبالتالي فالفضل للمُتقدِّم والمُبادر والسبّاق، وهكذا هي قصّة اكتشافي لأميركا!!
 
- الدروس المُستخلَصة:
1- من السهل أن نُعيب، ونُعيِّر، ونُسفِّه، ونُسخِّف، وننتقد نقداً لا موضوعيّاً، ولكن عند الإمتحان يُكرمُ المرءُ أو يُهان.
2- (كريستوفر) فعلَ كما (زُليخا) مع نسوة المدينة اللّواي انتقدنها، لم يردّ الإتِّهام باتِّهام، والسخرية بالسخرية، تركَ الساخرين والمُنتقدين المُنتقصين أمام التجربة التي كشفت المُحقَّ من المُبطِل، والمُبادر من المُتقوِّل، والجادّ من الساخر، ومَن يُعمِل عقلَه ومَن يُعمِل لسانَه!!
3- (كُلُّنا يقدر على ذلك)، هذا صحيح، ولكن كم منّا (حاولَ) ذلك.. (جرّبَ) ذلك، (عانى) في سبيل الوصول إلى ذلك.. و(صمّم) على بلوغ ذلك؟!
 
القصة السابعة
"غيري يحملُ لَبِنَةً وأنا اثنتين!!"
ما أن حلَّ رسول الله (ص) في المدينة المنوّرة بعد الهجرة إليها من مكّة المُكرّمة، ومعه حشدُ المهاجرين الأوائل الذين تركوا أهليهم وديارهم وثرواتهم، وحملوا معهم إيمانهم وصدق إخلاصهم، حتى أعلنَ (ص): أن هلمّوا أيّها المهاجرون إلى بناء مسجدٍ هنا!
فتداعى المسلمون المهاجرون يعاونهم الأنصارُ من أبناء المدينة على بناء المسجد، ليكون بيتهم العبادي، ومُلتقاهم الرباني، فلم يتخلّف أحد منهم عن المساهمة في تشييد المسجد ورفع صرحه وإقامة أركانه.. كلٌّ يتسابقونَ لرفع الحجارة والطِّين لإقامة جدران المسجد.
وقد لاحظَ رسول الله (ص) أنّ كل مسلم يحمل لبنة (حجراً) واحدً في كلِّ شوطٍ، فيما كان (عمّار بن ياسر) (رض) يحملُ لبنتين! فأثنى عليه!
 
 
- الدروس المُستخلَصة:
1- عندما يُشادُ البناءُ للإسلام، لابدّ أن تتشمّر سواعد المسلمين، وتتعاضد هممهم على إنجازه في أسرع وقت، وأفضل صورة، وأكمل وجه.
2- المُبادرة لحملِ ضعف ما يحمل الآخرون من مواد البناء ليس إظهاراً لقوّة العضلات، بل هو سعيٌ ليبلغ البُنيان تمامه في أسرع وقتٍ ممكن، أي هو كسب للوقت، وتعجيل في الإنجاز حتى يستفيء المسلمون بظلِّ ما يبنون، وينتفعون به في أقربِ وقت.
3- القول إنّ الباقين يحملون لبنة (طابوقةً أو حجراً) فلأعمل مثل ما يعملون، هو قول (المُقلِّدين).. أمّا المُبادرة لحمل لبنتين فهو تفكير (المُبدعين).
4- وفي الإجمال، فإنّ الأجر في الإسلام على قدرِ المشقّة، وبقدر ما تعمل من صالح، وما تحمل في سبيل دينك من عناء، تجده عند الله الذي لا يضيع عنده شيء.

ارسال التعليق

Top