• ٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٢ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

لكل مرحلة طريقة في التعامل

لكل مرحلة طريقة في التعامل

يجب أن نستوعب جميعاً - وهذا أمر مهم جدّاً - أن عقول الأبناء تتطور وتكبر على قدر المعلومات والخبرات التي تضاف لهم بمرور الأيّام والشهور في حياتهم، وما في قلوبهم أيضاً يتغير بمرور الزمن، من اهتمامات وهوايات ومحاب ومكاره وغيرها، وهذا ينتج عنه تغير في شخصيات الأبناء وبالتالي يطلبون نوعية جديدة في التعامل معهم على خلاف التعامل القديم، فهذه سُنّة كونية فالماء الساكن يفسد، كما أنّ التعامل الساكن الذي لا يتطور ولا يتغير يفسد، والنتيجة هي عدم تقبُّل من حولنا لهذا التعامل.

 

عملية التربية كعملية الطبخ!

فهما يتشابهان كثيراً لأنّ لكل فترة في التربية والطبخ خطواتها وعملها، فلو وضعنا كلّ شيء في وقت واحد فسدت التربية كما تفسد الطبخة، فحتى لا تفسد عملية طبخ عقول وقلوب أبنائك، أقدم لك أيها المربي هذه الجداول الثلاثة التي ستوضح لك ما هي حاجات كلّ مرحلة في الجدول رقم (1)، وأفضل المواضيع التي تربي عليها في كلّ مرحلة في الجدول رقم (2)، وأخيراً الوسائل التي تنفع لكل مرحلة في الجدول رقم (3):

 

المرحلة الموضوع

الحاجات المهمّة

مرحلة الطفولة

الحب والحنان - القرب منه - الكلمات التشجيعية - حوافز مادية - تفريغ طاقته الهائلة بشيء نافع - حاجته للعب والترفيه - العفوية والحيوية.

مرحلة الصبا

أن يعرف حقوقه وواجباته - إحتواؤه والقرب منه عند تعرضه للمشاكل - تشجيعه الدائم عند أي تصرف إيجابي - حاجته للفرح والسرور - الإنطلاق - الإبداع.

 

مرحلة المراهقة

الحوار معه - حرية الاختيار - إشراكه في القرارات - معاملته كرجل/ كامرأة - عدم التضييق عليه - تقديره واحترامه - أن تثق به - الإنصات له - الثناء على انجازاته - شعوره بالأمن في محيطه - يحب أن يتعرف على محيط اجتماعي جديد دائماً - حاجته للضحك - عدم انتقاده - حاجته للتعلق برمز.

 

المرحلة الموضوع

المواضيع التي يُربى عليها

 

مرحلة الطفولة

الأخلاق الحميدة (التركيز على فضيلة الصدق) - تعليمه وترغيبه بالصلاة والصيام - الأدب مع الله والناس - حفظ القرآن الكريم - برّ الوالدين - الآداب الاجتماعية "أدب الطعام/ أدب الحديث/ أدب المجالس...".

 

مرحلة الصبا

تقوى الله ومراقبته في السر والعلن - تعليمه تاريخ المسلمين - حثه على القراءة وحب المعرفة - حفظ القرآن الكريم - الأخوة والترابط الاجتماعي مع الأصحاب - إستثمار الوقت.

 

مرحلة المراهقة

الجوانب الإيمانية والعلاقة الصحيحة مع الله تعالى - العلم الشرعي - غرس قيمة العمل التطوعي فيه - حب الخير للناس - تدريبه على مهارات الحياة والسلوك والتفكير - ممارسة هواية - التخصص في مجال محدّد.

 

المرحلة الموضوع

الوسائل الصحيحة والمناسبة في التعامل

 

مرحلة الطفولة

عن طريق سرد القصص المهدَّفة - أن تكون قدوة له - الحوار معه في مواضيع مفيدة - عرض الصور الهادفة عليه والتفاعل معه عن طريق الأسئلة عليها - المشاهد التربوية الهادفة.

مرحلة الصبا

التوجيه المباشر اللطيف - حثه على اكتشاف القيم بنفسه عن طريق البحث - توجيهه لصحبة صالحة - ضرب الأمثلة والتشبيه له - الإقناع العاطفي.

 

مرحلة المراهقة

تربيته على تحمل مسؤولية حياته بنفسه - إشراكه في القرارات المهمة التي تخصه وكذلك التي لا تخصه - أن تكون نموذجاً صالحاً له - التربية الهادئة بعيداً عن الإنفعال - ملء وقت فراغه بما هو نافع له - الحوار الدائم والهادف معه - الإقناع العقلي.

 

بعد عرض الجداول السابقة وما تحمله من معلومات مهمة، يجب الآن أن أوضح أمراً لا يقل أهمية عما تم عرضه، وهو متى تبدأ هذه المراحل ومتى تنتهي:

1-    سن الطفولة:

هي المرحلة ما بين فترة الرضاعة إلى مرحلة الصِّبا، أي تبدأ من ولادة الطفل إلى عمر 7 سنوات.

2-    سن الصبا:

وتبدأ من عمر 8 سنوات إلى فترة المراهقة بعمر 12 سنة.

3-    سن المراهقة:

وهي مرحلة ما قبل البلوغ تبدأ عند سن 12 وتنتهي في 17 سنة، وهنا توجد جزئية مهمة كثيراً ما يعتقد الآباء أن فترة المراهقة تقع في فترة البلوغ وهذا خطأ شائع، بل "المراهقة مرحلة تسبق البلوغ وليست هي مرحلة البلوغ" كما يقول محمّد قطب، وأشار إليها المختصون في مجال التربية، فهذه معلومة تترتب عليها أمور عديدة عند التعامل مع هذه الفئة ويجب حينئذ العناية بها.

4-    سن الرشد:

هنا تبدأ مرحلة ما بعد البلوغ وهي مرحلة التكليف الشرعي الإلهي، فيكون الإنسان في هذه الفترة محاسباً أمام الله بكل صغيرة وكبيرة قولاً كانت أو فعلاً.

 

هرم ماسلو للاحتياجات:

بما أني تطرقت للحديث عن احتياجات كلّ مرحلة، فلزاماً عليّ الآن أن أذكر هرم ماسلو للاحتياجات التي ابتكرها عالم النفس الأمريكي إبراهام ماسلو لما فيها من أهمية كبيرة للتعرف عليها وتطبيقها أثناء تربيتنا لمن هم حولنا والتي تتلخص في الآتي:

 

الابتكار

حل المشاكل

تقبل الحقائق

تقدير الذات- الثقة- الإنجازات

إحترام الآخرين- الاحترام من قبل الآخرين

الصداقة- العلاقات الأسرية- الألفة الجنسية

السلامة الجسدية- الأمان الوظيفي- أمن الموارد

الأمن الأسري والصحي- أمن الممتلكات

التنفس- الطعام- الماء- النوم- الجنس- التوازن- الإخراج

 

من المعروف ان حاجات الإنسان تتغير من مرحلة إلى أخرى، وقد أثبت ماسلو في نظريته النفسية أنّ الحاجات تتطور وتكبر كما هو موضح أعلاه، فالإنسان في بداية مراحل حياته يحتاج للجوانب الفسيولوجية المتمثلة في أسباب العيش، وهي الهواء والطعام والشراب والنوم... ثمّ تتطور وتكبر إلى حاجة الأمان ثمّ إلى حاجة تكوين الصداقات والانتماء، مروراً إلى حاجة تقدير ذاته والإعتراف به، وأخيراً حاجة تحقيق ذاته وإثباتها عبر السير في حياته بالطريقة التي يحبها ويبدع فيها.

هذه الحاجات التي ذكرها ماسلو تكوّن توتراً كبيراً وسلبية في حالة عدم اشباعها في ذات المتربي، فيبدأ حينها بالخروج عن طبيعته التوازنية إلى افتعال وابتكار المشاكل التي تعيقه وتعيق من حوله، فلو ركزنا كمربين على إشباع من حولنا على هذه الاحتياجات سنجد تطوراً كبيراً في شخصيتهم وسهولة أكبر في التعامل معهم.

وأنت أيها المربي، لست بحاجة للتعامل مع هذه النظرية بالتدريج، بحيث تبدأ بالحاجة الأولى ثم تنتقل للثانية والثالثة وهلم جرا، لأنّ هذه الطريقة هي من الانتقادات التي وجهت للنظرية، فالإنسان ربما يحتاج إلى إشباع أكثر من حاجة في نفس الوقت أو ربما يحتاج أن يعيد إشباع حاجة قد قام بإشباعها خلال مراحل زمنية سابقة، فلا أؤيد الجمود الذي وضعه ماسلو بل أدعو إلى المرونة والاتقان بين هذه الحاجات بطريقة تفاعلية حتى لو كانت متزامنة، والمهم لدي أن نركّز كمربين عليها وإشباع الأبناء منها.

 

فهم المراهق، أولى مراحل احتوائه:

كتبت قبل فترة مجموعة تغريدات في برنامج التواصل الاجتماعي (التوتير) عن شخصية المراهقة وقد لاقت بعض التفاعل من المتابعين الكرام، فأحببت أن أخصص محوراً كاملاً أتحدث فيه عن هذه المرحلة لأن موضوعها مهم وشائك بنظر الكثير ممن يتعامل مع هذه الفئة المظلومة جدّاً برأيي.

وتأتي جزئية كونهم (مظلومين).. عند التعامل المباشر من قِبل المربين وأولياء الأمور معهم دون الحاجة لفهم هذه الشخصية ومعرفة حاجاتها الأساسية التي لا ينصلح حالهم إلا بها، فتكون طريقة التعامل معهم على أدوات تربوية تقيّد السلوك والفكر والمشاعر مثل (التوجه الصارم - المراقبة الدائمة - الأوامر - النصائح المتكررة) وغيرها من الأدوات التي لا تنفع مع شخصية المراهق.

وكما هو العنوان، فإن فهم شخصيته هي أولى خطوات احتوائه واستيعاب مشاكله، فشخصية المراهق أشبه بآلة شديدة التعقيد في الاستعمال، فلا يمكنك مجاراتها في التعامل إلا بعد قراءة و(فهم) طريقة استخدامها، فمن دون هذه الخطوة سيكون عملك أقرب إلى تخريب هذه الآلة، لذلك كانت أولى خطوات التعامل مع المراهق تكمن في (فهمه)، ثمّ بعد ذلك تأتي خطوة تلبية احتياجاته، وستقدر أيها المربي على تلبيتها بعد معرفة الإجابة على هذا السؤال:

 

هل المراهق طفل، أم شاب ناضج؟

إذا قمت بالإجابة عن هذا السؤال إجابةً علميةً صحيحة فإنك ومن دون مبالغة قد اجتزت مسافة كبيرة في سبيل احتواء هذه الشخصية المظلومة وتشخيص شخصيّته.

ليس المراهق طفلاً ولا شاباً ناضجاً، لكنه بمرحلة ما بين هاتين المرحلتين، والإضافة العلمية هنا أن للطفل احتياجات أساسية ونفس الشيء مع الشاب الناضج، والمراهق يحتاج لمميزات المرحلتين (الطفولة والشباب) فعندما يتم التعامل معه من قِبل المربين وأولياء الأمور فهو يريد من الطفولة حاجات (الحنان - العطف - الحب الرعاية - المزاح) ويحتاج من الشباب حاجات (مساحة لإدارة حياته - المشاركة في قرارات كبرى تخص الأسرة - تحميله المسؤولية - الحوار معه) وبالإضافة إلى ذلك، هو لا يحتاج للرقابة والتوجية الدائمين وكثرة النصائح بل يريد ممن يرعاه أن يعامله كرجل/ امرأة، وهذا مطلب يجب أن يعيه المربي، وأن يعرف كذلك أنّ المراهق مازال يحتاج إلى حاجات الطفل وعدم إهمالها، والفاصل هنا أن كلّ شيء قائم على التوازن (لا إفراط ولا تفريط) طريقه النجاح بعد توفيق الله تبارك وتعالى.

 

في الطريق للبيت الجديد!

أرى مرحلة المراهقة كمن باع بيته القديم واشترى بيتاً جديداً، وهو في طريقه من بيته القديم إلى الجديد تجد شعوره ما بين حنينه وحبه للمنزل القديم ورغبته وحماسته للبيت الجديد، وهذا ينطبق على المراهق، فهو في مرحلة عبور من المنزل القديم (الطفولة) إلى المنزل الجديد (الشباب) فتجد أنّه يحتاج لميزة المرحلتين، كما هو شعور هذا الشخص المنتقل من منزل لآخر.

كثير من المربين يجدون صعوبة بالغة في التعامل مع فئة المراهقين، وتكثر شكواهم على من هم في هذه المرحلة بسبب كثرة مشاكلهم التي لا حصر لها، وكذلك عدم توفر طريقة مثالية لمعالجة هذه المشاكل التي يمرون بها (على حد قولهم)، وبهذه التهمة من المربين أتذكر سؤالاً جميلاً للأستاذ عبدالله الطارقي يسأله للمربين:

أزمة الهوية.. أم تأزيم المجتمع؟

سؤال مهم يحتاج منا الوقوف قليلاً والتفكر فيه، فهل مشاكل المراهقين الكثيرة دليل على مشكلة واضطراب هويتهم؟ أم أنّ السبب في ذلك تأزيم المجتمع لهم وسوء التعامل معهم؟ وإذا ما افترضنا أنّ المشكلة تكمن في المراهق وليس المجتمع فما هو السبب الذي جعله يسلك طريق المشاكل والمصائب؟ فلو فكرنا بمنطق في هذه الأسئلة لوجدنا أنّ المشكلة الأساسية تكمن في طريقة تعامل المجتمع والمربين مع المراهقين (المظلومين) كما أسمّيهم.

والمشكلة الأساسية في هذه الجزئية أنّ المربي لم يُحسن تطبيق هذه القطعة (لكل مرحلة طريقة في التعامل) فنجده يعامل المراهق معاملة الطفل، لأنّه لا يعرف إلا طريقة واحدة في التعامل مع المتربين وهي معاملتهم كأطفال، رغم أن حاجات وخصائص المرحلتين (الطفولة والمراهقة) تختلف كلياً عن بعضها البعض، فغالباً ما يُقارن بين سهولة تربيته للطفل وصعوبة تربية المراهق! وهنا الظلم في المقارنة، فسهولة تربية الطفل تأتي بسبب قصور الفهم والتجربة لديه، وسعتها وكبر حجمها بالنسبة للمراهق، فهذا الأخير والتجربة لديه، وسعتها وكبر حجمها بالنسبة للمراهق، فهذا الأخير لا يتقبل الجديد والصحيح بسهولة بمثل حالة الطفل، ولأنّ الأسلوب المتبع لدى بعض المربين هو أسلوب الأمر والإلزام والذي لا ينفع أبداً مع المراهق، أتت صعوبة التعامل معهم وكثرة مشاكلهم.

الآن، سأوضح لك أيها المربي على شكل نقاط متسلسلة ومبسطة: كيف تتعامل مع المراهق بطريقة عصرية تُعجبه ولا تضره:

1-    عليك في البداية أن تفهم المراهق عن طريق تعرّفك على حاجاته النفسية وأن تتعامل معه من خلالها، وقد كتبت جزءً منها في (القطعة الخامسة).

2-    كثير من المراهقين يعتمدون في تفكيرهم وسلوكهم على ردّة الفعل على الفعل المقابل أمامه، لذلك أصلح فعلك معه ينصلح رد فعله.

3-    إذا استعملت أسلوب المواجهة معه، فإنّه سيجاريك في الصدام، فالأنسب أن تتغافل عن بعض مشاكلهم وأكثر من الحوار معهم وإعطائهم فرصة للحديث.

4-    قلل قدر المستطاع من أسلوب الوعظ والنصح المباشر معه، واستعض عنه بأن تكون قدوة ونموذجاً له في الأمور التي هو مقصّر بها.

5-    ارفع درجة الحب والتقدير معه حتى عندما يكون في أسوأ لحظاته ومشاكله.

6-    اعطه حقوقه.

7-    كن صاحباً له.

8-    لا تشتمه ولا تعنّفه ولا تقطع علاقتك معه وابتعد عن الصراخ عليه.

9-    اشركه في عملك.. اجتماعاتك المهمة.. هواياتك.. قراراتك.

10-                      شاركه في اهتماماته.. هواياته.. امدح أفكاره وآراءه.

 

(ومضة)

تتميّز مرحلة (الطفولة) بحب الانتماء، وتحتاج منك إلى العطف والحنان.

وتتميز مرحلة (الصبا) بحب الاستكشاف، وتحتاج منك أن تسمعهم وتصبر على أسئلتهم، وتعليمهم كل جديد.

وتتميز مرحلة (المراهقة) بحب الاستقلالية، وتحتاج منك إلى إعطائهم الحرية في إختياراتهم وإشراكهم في القرارات، وإعطائهم الفرصة لتكوين علاقات اجتماعية.

 

المصدر: كتاب المربِّي/ كيف نربي في الزمن الحديث؟ (12 قاعدة مبسطة ومبتكرة) لـ عبدالمحسن العصفور

ارسال التعليق

Top