• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

مفهوم الصدقة في القرآن الكريم

السيد هاشم الموسوي

مفهوم الصدقة في القرآن الكريم

الصدقة في اللغة: الصدقة في الأصل كما يقول اللغويون: هو ما يعطى من المال تطوعاً، وصار في الشريعة ما يعطى من المال بقصد القربة إلى الله تعالى.

استعمل القرآن الكريم كلمة صدقة وصدقات كأسم للمال الذي يعطى بقصد القربة والتقرب الى الله سبحانه، وسمى أموال الزكاة صدقة، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة/ 60).. كما استعمله اسماً للمال الذي يعطيه الرجل للمرأة في زواجه منها.. وهو المهر.. جاء هذا الاستعمال في قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النحل/ 4).

واستعمله في معان عديدة منها:

(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) (البقرة/ 276)

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء/ 92).

(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) (يوسف/ 88)

(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَات اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء/ 114)

لنقرأ هذه المنظومة من النصوص القرآنية، ولنحاول ان نحلل محتوى النص ونستكشف ما يمكن ان نستنير به من بيان..

ان هذه النصوص توضح: ان لفظ الصدقة في احد معانيه هو اسم للمال الذي يعطى للمحتاج تطوعاً.. كما في قوله تعالى: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء/114)

الاية تستنكر النجوى (حديث السر) باتجاهه التآمري والهدام.. وتدعو الى ان يتناجى الناس بالأمر بالصدقة وبالمعروف وبالاصلاح..

انها تدعو الى الانفاق المالي، والى نشر المعروف والإحسان، واصلاح المجتمع.. وجاءت الصدقة في هذا النص، وضمن السياق، احد عناصر البناء الاجتماعي بعطفها على المعروف والاصلاح.. وبذا يُبرز القرآن أهمية الصدقة لعلاقة المال بالاصلاح ومحاربة الفساد الناتج عن الفقر والعوز.. وسنعرف ان الصدقة هي ليست هذا التطوع الاستعلائي بالمال من قبل المتبرع لتنتج متبرعاً متسعلياً، وفقيرا متدنياً، يمد يده لتتلقى ما يلقى فيها من عطاء.. انها غير ذلك..

وفي آية تحديد موارد صرف الزكاة.. سمى القرآن الزكاة صدقة، وان كانت واجبة وليست إخراجاً تطوعيا للمال.. غير ان هذا الاخراج ينطلق من دافع تطوعي ورغبة في التقرب الى الله تعالى، فهو مال ينفق دون مقابل مالي أو معنوي أو أي منفعة أو عوض دنيوي يعود على منفق الزكاة؛ لذا استحق أن يسمى صدقة.

قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة/ 60).

والقرآن يسمي الموقف الاخلاقي.. موقف المعروف والإحسان صدقة وعمل الخير صدقة، ذلك ما نقرأه في آية تنازل اهل القتيل عن الدية، واعتبارها صدقة منهم على من وجبت عليه الدية، لأنها عفو وتسامح وتنازل طوعي عن المال.. فسمى العفو والتسامح هنا صدقة.. وفي حديثه عن قصة يوسف (ع) سمى تسامحه مع اخوانه صدقة..

ان استقراء النصوص القرآنية والنبوية الكريمة.. واستجلاء مفاهيمها يوصلنا الى ان الصدقة في مفهومها القرآني الذي اوضحه الرسول الكريم (ص) انها تعني الدعوة الى الجهد الطوعي لبناء المجتمع.. وانها تعني نشر القيم الإنسانية والاخلاقية التي تسمو بالإنسان الى مستوى التعامل البنّاء مع النفس والمجتمع، وتربية النفس الإنسانية على الاهتمام بالاخر.. بل والاهتمام بالحيوان المرافق للإنسان في هذه الطبيعة.. وانها طريق الى توثيق الصلة التعبدية والايمانية مع الله سبحانه والتقرب اليه.. وليست الصدقة كما يفهمها معظم الناس انها عطاء مادي استعلائي.. يتفضل به الأغنياء على الفقراء، وكثيرا ما يكون لدى المعطي نظرة استعلائية يتعامل بها مع المُتصدَّق عليه.. وربما صاحب هذا العطاء المنّ على مُستقبِل الصدقة، أو أذى اللسان، لذا حذّر القرآن من هذا الفهم والشعور والتعامل مع الصدقة، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى) (البقرة/ 264).

(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة/ 263).

وبالعودة الى القرآن نجده يتحدث عن الصدقة في عنوانين واسعين تحتهما تفصيلات كثيرة.. يتحدث عن الصدقة المادية، وعن الصدقة المعنوية.. صدقة الإحسان والمعروف بجوانبه الإنسانية، كما في قصة يوسف (ع) وفي آية الاعفاء من الدية.. وعند الانتقال من الكتاب الى السنة المطهرة نجد الرسول الكريم محمداً (ص) يفيض في اتساع مفاهيم الصدقة في جوانب المعروف والإحسان الإنساني غير المادي، كما أفاض في بيان اهمية الصدقة المادية واثرها التعبدي والاجتماعي..

واذاً فلننتقل إلى رحاب السنة المطهرة.. ولنقرأ تعريفاتها الواسعة لمفهوم الصدقة ومصاديقها..

والصدقة في مفهوم الشريعة، سواء الواجبة أو المستحبة منها، لا تحل للفقير القادر على الكسب والعمل وتحصيل حاجته المادية، الا إذا خرج إلى التكسب وطلب العمل وسعى في ذلك، ولم يتوفر له العمل أو ما يكفيه من حاجته المادية، لئلا ينشأ في المجتع أناس عالة على الزكاة الواجبة أو الصدقات المستحبة أو يمتهنون التسول والإعتياش على عطاء الآخرين مجهودم، وهم يعيشون في أجواء الكسل والترهل، فالإسلام دين العمل والنشاط والعطاء.. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: "إنّ الله لبغض العبد الفارغ النوام".. وثمة مسألة اصلاحية هامة، وهي أنّ الشريعة الإسلامية فسحت المجال أمام المتصدق في أن يعطي صدقته للناس الذين يرتكبون المعاصي كالسرقة والزنا والرشوة... إلخ. بسبب الحاجة ودافع الفقر، ليتجه المال نحو سد هذه الذرائع، ومنعهم من ارتكاب هذه المعاصي، فتكون الصدقة إحدى وسائل محاربة الفساد واعادة المنحرفين إلى الإستقامة..

ارسال التعليق

Top