• ٢٨ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ١١ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

المساندة الاجتماعية في مواجهة الضغوط

عامر أحمد السويداني

المساندة الاجتماعية في مواجهة الضغوط

◄مع تعقد الحياة اليومية، وتطوّرها السريع، وزيادة متطلباته، يواجه الإنسان في هذا العصر الذي أطلق عليه أنّه عصر الضغوط، عديداً من المواقف والأحداث اليومية الضاغطة التي تمثِّل تهديداً لتوازنه النفسي، وتزيد من قلقه وتوتره وعدم رضاه عن وضعه الحالي، ممّا زاد من تعقيد أسلوب حياة الأفراد، الأمر الذي نتج عنه ظهور توترات نفسية لديهم، انعكست سلباً على إنتاجهم وشعورهم بالإحباط نتيجة عجزهم عن التكيُّف مع المتغيرات المتسارعة.

تعدّ المساندة الاجتماعية مصدراً مهماً من مصادر الدعم النفسي والاجتماعي الفاعل التي يحتاجها الإنسان، إذ يساهم حجم المساندة الاجتماعية، ومستوى الرضا عنها، في كيفية مواجهة الفرد لأحداث الحياة الضاغطة بجميع أشكالها وكيفية تعامله مع هذه الأحداث، وأساليب مواجهتها، كما تقدّم المساندة النفسية دوراً مهماً في إشباع الحاجة إلى الأمن النفسي، وخفض مستوى المعاناة النفسية الناتجة عن شدّة هذه الأحداث الضاغطة.

وتزيد المساندة الاجتماعية من قدرة الفرد على مقاومة الإحباط، فهي تسهم في توفير الراحة النفسية، وتؤدّي دوراً أساسياً في الشفاء من الاضطرابات النفسية كالقلق، والاكتئاب، والوحدة النفسية، كما تلعب دوراً في التوافق الإيجابي والنمو الشخصي للفرد، وكذلك تقي الفرد من الآثار الناتجة عن الأحداث الضاغطة، وتخفّف من حدة هذه الآثار، وعليه فإنّ هناك عنصرين مهمين ينبغي أخذهما في الاعتبار، وهما:

الأوّل: إدراك الفرد أنّ هناك عدداً كافياً من الأشخاص في حياته، يمكن أن يعتمد عليهم عند الحاجة، ورضا الفرد عن هذه المساندة الاجتماعية المتاحة له.

الثاني: إيمانه بمدى كفاية وكفاءة وقوّة هذه المساندة.

تؤدّي المساندة الاجتماعية دوراً مهماً لاستمرار الإنسان وبقائه، وهي التي تعزز كيان الفرد من خلال إحساسه بالمساندة والدعم من المحيطين به، وبالتقدير والاحترام من الجماعة التي ينتمي إليها، والشعور بالانتماء والتوافق مع المعايير الاجتماعية داخل مجتمعه، وهي التي تساعده أيضاً على مواجهة أحداث الحياة الضاغطة بأساليب إيجابية فاعلة، وتدعم احتفاظ الفرد بالصحّة النفسية والعقلية، وتمنحه الرعاية والتشجيع والنُّصح والمساعدة في جميع مواقف حياته، مع إشباع حاجاته الأساسية في الحبّ والقبول والشعور بالأمان.

- وظائف المساندة الاجتماعية:

وظيفة نمائية، عندما يكون للفرد شبكة من العلاقات الاجتماعية الحميمية التي تساعده على تحقيق التوافق الإيجابي.

وظيفة وقائية، في مساعدة الفرد على مواجهة الأحداث الخارجية التي يدركها على أنّها شاقة وتمثِّل ضغوطاً عليه.

وللمساندة الاجتماعية أهميتها في الحياة المدرسية من أجل التكيّف في البيئة المدرسية، وزيادة الدافعية والقدرة على التحصيل والرغبة في الإنجاز والوصول إلى الأهداف المرجوة، حيث أوضحت الدراسات الحديثة وجود علاقة ارتباطية بين المساندة الاجتماعية والدافع إلى الإنجاز أو الدافع إلى التحصيل الدراسي، وأنّ انخفاض مستوى المساندة من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض في مستوى التحصيل.

وتؤدِّي المساندة الاجتماعية دوراً فاعلاً في حياة الشخص من خلال الآتي:

- حماية الفرد من الضغوط الحياتية اليومية الضاغطة.

- تزويد الفرد بالخبرات والمعارف والمهارات بشكل كبير.

- إمداد الفرد بالتشجيع والتغذية الراجعة الإيجابية.

- منح الفرد المزيد من الثقافة والشعور بالرضا.

- دور الأُسرة:

للأُسرة دور أساسي ومهم في دعم أبنائها منذ مراحل الطفولة المبكرة، إذ تمثّل شبكة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وينشأ الطفل في هذه المنظومة معتمداً عليها اعتماداً كاملاً في سنوات حياته الأولى، وهي السنوات ذات الأهمية البالغة في صقل شخصيته وتنمية قدراته، كما يتأثر بعديد من المشاعر والعواطف ويتعلّم كيفية التعبير عنها أو كبتها كمشاعر الحبّ والغضب والحزن، ومصادر المساندة الاجتماعية التي تمنحها الأُسرة، سواء أكانت مادّية أم معنوية أم تربوية تتوقف إلى حد كبير على أُمور عدّة، أهمّها: ثقافة الوالدين، وثقافة البيئة المحيطة، والضغوط التي تواجهها الأُسرة، وطبيعة المناخ الأُسري.

ويشير علماء النفس إلى أنّ الفرد الذي ينشأ وسط أُسرة مترابطة تسودها المودة والألفة يصبح قادراً على تحمل المسؤولية بصورة أفضل، وتصبح لديه مهارات وصفات قيادية.

- دور الأُصدقاء:

ينطوي على ما يمكن أن يقدّمه الأصدقاء لبعضهم البعض وقت الشدّة ووقوفهم إلى جانب بعضهم فيما يواجهونه من ظروف وتحديات تحتاج إلى تضافر الجهود، وهو ما يؤدّي إلى زيادة الثقة بالنفس والثقة بالآخرين، ويحافظ على مقومات الصداقة والمودة من التفكُّك، والانهيار، ويُنمِّي مشاعر المشاركة مع الآخرين، وبالتالي إشباع حاجات انتمائه مع البيئة المحيطة وتخفف من الآثار النفسية السلبية.

- دور المجتمع:

للمجتمع دور مهم في تقديم المساندة الاجتماعية بأنواعها المادّية والمعنوية وبصورة أقوى ممّا تقدمه الأُسرة أو الأصدقاء، نظراً للقوى الاجتماعية والاقتصادية التي يتمتع بها.

إنّ العلاقات الاجتماعية تُعدّ من أهم مصادر المساندة الاجتماعية والحماية من تأثير الضغوط المختلفة بحيث تشكل للفرد درعاً واقية من الانحرافات والعزلة، ممّا يجعله يعيش مطمئناً هادئ النفس، كما تساعده على أن يكون شخصاً فاعلاً ومنتجاً في المجتمع، فالمساندة التي يتلقّاها الفرد من الآخرين ترتبط بالصحّة والاستقرار النفسي والاجتماعي، وهي تتكوّن من علاقات اجتماعية متميزة تتمثّل في المودّة، والصداقة الحميمة، والانسجام، والتكامل، واحترام الفرد، وتقديم المساعدة المادّية والعاطفية له.

وقد تبيّن أنّ الأفراد الذين لديهم علاقات اجتماعية قوية مع الآخرين ومبنية على التفاعل الإيجابي يكونون أفضل من الناحية النفسية من أُولئك الذين يفتقرون إلى مثل هذه العلاقات، وبالتالي فهي تسهم في التوافق الإيجابي والنمو الشخصي للفرد، والراحة النفسية والتخفيف من بعض الاضطرابات كالقلق والاكتئاب والوحدة النفسية.

- إستراتيجيات المساندة الاجتماعية:

أوّلاً: الإستراتيجيات الإيجابية، هي تلك التي يوظّفها الفرد للتغلب على الضغوط الحياتية وتجاوز آثارها، من خلال الأساليب الإيجابية التالية:

* التحليل المنطقي للموقف الضاغط بغية فهمه والتهيؤ الذهني له.

* إعادة التقييم الإيجابي للموقف.

* البحث عن معلومات وبدائل متعلقة بالموقف الضاغط.

ثانياً: الإستراتيجيات السلبية، هي تلك التي يوظّفها الفرد في تجنّب الأزمة والإحجام عن التفكير فيها، من خلال الأساليب السلبية الآتية:

* الإحجام المعرفي لتجنّب التفكير الواقعي والممكن في الأزمة.

* الاستسلام للموقف الضاغط وترويض النفسي على تقبُّله.

* البحث عن البدائل عن طريق الاشتراك في أنشطة بديلة ومحاولة الاندماج فيها بغية توليد مصادر جديدة للإشباع والتكيّف بعيداً عن مواجهة الضغوط الحياتية.

هكذا، فإنّ للمساندة الاجتماعية والمساندة النفسية والعلاقات الاجتماعية العميقة دوراً أساسياً في حياة الفرد، فهي تساعده على مواجهة الضغوط والأزمات وتجعله أكثر قدرة على تحمّلها ومواجهتها بصورة سليمة، وتعزز لديه الثقة بالنفس وتدعم التماسك النفسي والاجتماعي، ولا يعتبر وجود المساندة الاجتماعية شيئاً مهماً؛ ولكنّ الأهم منه هو رضا الفرد عن هذه المساندة.►

 

* كاتب من سورية

ارسال التعليق

Top