• ٣ آذار/مارس ٢٠٢١ | ١٩ رجب ١٤٤٢ هـ
البلاغ

خطّ الصَّلاح

عمار كاظم

خطّ الصَّلاح

الصَّلاح هو العنوان الكبير الّذي يريد الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يتمثّله في كلّ حياته، في أوضاعه الخاصّة والعامّة. وما يؤكّد ذلك في مسألة خطّ الصَّلاح، وعظمة هذا العنوان، هو ما نقرأه في القرآن الكريم، من أنَّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يبيّن عظمة الأنبياء (عليهم السلام) وكرامتهم عنده، فوصفهم بالصَّالحين، ما يدلّ على أنَّ هذه الصّفة هي من الصّفات التي تمثّل الكمال الإنساني الَّذي لا بدَّ للأنبياء (عليهم السلام) من أن يتمثّلوه. وهذا ما نقرأه عن النبيّ إبراهيم (عليه السلام)، قال تعالى: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (البقرة/ 130)، ونقرأ بحقّ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) أيضاً قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ) (الأنعام/ 84-85)، فنجد أنّه استعرض كلّ هؤلاء الأنبياء (عليهم السلام)، وجعل قيمتهم أنهم يتمثَّلون صفة الصَّلاح في شخصيّاتهم وفي كلّ أنواع حياتهم، (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الأنعام/ 87).

ونقرأ أيضاً في النبيّ لوط (علیه السلام)، قال تعالى: (وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (الأنبياء/ 74-75)، كما نقرأ قوله تعالى عن النبيّ عيسى (عليه السلام): (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران/ 46)، ونقرأ في قوله تعالى: (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران/ 113-114)، وقوله تعالى: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل/ 19).

وننطلق في كلّ ذلك لنعرف أنَّ رتبة الصّلاح هي الرّتبة العليا التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لأنبيائه (علیهم السلام)، كما أنّنا عندما نستعرض سيرة الأئمّة من أهل البيت (علیهم السلام)، نجد من صفات الإمام موسى بن جعفر الكاظم (علیه السلام) الَّتي يتحدّث بها الرّواة، أنهم يصفونه بـ (العبد الصالح)، لأنّ كلمة الصَّلاح تعني أن هذا الإنسان يعيش الصَّلاح في العقل والفكر، ويعيش الصَّلاح في قلبه، فلا ينبض قلبه إلا بالعاطفة الصَّالحة، ويعيش الصَّلاح في كلّ حياته وسلوكه على أساس العدل، لأنَّ الحياة الصّالحة هي الَّتي تتحرّك في خطّ الخير وفي خطّ العدل.

ونقرأ في الكثير من الآيات القرآنيَّة الَّتي تربط بين الإيمان والعمل الصَّالح، لتؤكّد أنَّ مسألة الإيمان لا تكفي في نجاح الإنسان وفي نجاته، بل لا بدَّ من أن ينطلق الإيمان ويتحرّك في كلِّ عناصر شخصيّة الإنسان العقليّة والعمليّة في خطّ الصَّلاح. ولعلّ أفضل ما يشير إلى ذلك، ما ورد في سورة (العصر): (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (سورة العصر)، وهذا هو النَّجاح في ما يعيشه الإنسان في شخصيَّته الفرديَّة والاجتماعيَّة.

وبذلك، نعرف أنَّ القرآن الكريم يؤكّد مسألة الصَّلاح كعنوان كبير للفئة المميّزة، وهي فئة الأنبياء (عليهم السلام) والأولياء (عليهم السلام)، وكخطّ يتحرّك فيه النَّاس من أجل أن يكون الفرد، ويكون المجتمع، وتكون الأمّة كلّها في خطّ الصَّلاح، حتى يمكن لها أن تعطي الحياة سموّاً وارتفاعاً وانفتاحاً على الحقّ والخير والعدل بين يدي الله سبحانه وتعالى.

ارسال التعليق

Top